أزمة خانقة في إيران.. النفط وحده لا يكفي

تحولت احتجاجات المتقاعدين في إيران خلال الأسابيع الأخيرة إلى مشهد متكرر في عدد من المدن، في ظل أزمة متفاقمة تضرب صناديق التقاعد، بالتزامن مع تراجع قيمة المعاشات تحت ضغط التضخم وانخفاض قيمة الريال.
وشارك متقاعدو الضمان الاجتماعي وقطاعات الصناعة والفولاذ في تجمعات متكررة، مطالبين بزيادة المعاشات وتحسين خدمات التأمين الصحي وصرف المستحقات المتأخرة. واتسعت بعض الاحتجاجات لتشمل مطالب تتعلق بالفساد والاعتقالات والإعدامات والحريات.
وتعكس هذه التحركات أزمة أعمق تواجه منظومة التقاعد الإيرانية، بعدما أصبحت بعض صناديقها عاجزة عن تمويل التزاماتها من مواردها الذاتية. وتشير بيانات رسمية إلى أن نحو 5.3 مليون متقاعد ومستفيد يعتمدون على دفعات منظمة الضمان الاجتماعي، ما يجعل أي اضطراب في المنظومة مؤثراً بشكل مباشر في ملايين الأسر.
فجوة بـ820 تريليون ريال
برز حجم الضغوط المالية في تموز الماضي، عندما أقر رئيس منظمة الضمان الاجتماعي آنذاك وجود فجوة تقدر بنحو 820 تريليون ريال لتغطية متأخرات معاشات أول شهرين من السنة الإيرانية، إلى جانب صعوبات في تأمين الدفعات اللاحقة.
وجاءت إقالته بصورة مفاجئة بعد أسابيع، ما أثار مزيداً من التساؤلات حول الوضع المالي للمؤسسة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة، استناداً إلى بيانات منظمة الضمان الاجتماعي، إلى أن استمرار السياسات الحالية قد يدفع الصندوق إلى عجز مزمن خلال أربع أو خمس سنوات.
وتواجه منظومة التقاعد أيضاً مشكلة تعدد الصناديق، إذ تضم إيران 18 صندوقاً تقاعدياً نشطاً تعمل وفق قواعد ونسب اشتراك مختلفة، الأمر الذي يزيد تعقيد إدارة المنظومة ويحد من قدرتها على مواجهة الضغوط المالية المتزايدة.
معاشات تتآكل
يتقاضى بعض المتقاعدين، بعد نحو 35 عاماً من دفع الاشتراكات، معاشات شهرية لا تتجاوز نحو 220 مليون ريال، أي ما يعادل قرابة 103 دولارات وفق أسعار الصرف المتداولة. وفي حالات أخرى، قالت أرملة تعتمد على معاش زوجها إن دخلها لا يكفي لتغطية سوى نحو 13 يوماً من احتياجاتها الأساسية.
وأجبر تراجع القدرة الشرائية بعض المتقاعدين على العودة إلى سوق العمل لتأمين نفقات الإيجار والغذاء والعلاج، في وقت تواصل فيه الأسعار ارتفاعها.
وتفاقمت الضغوط مع تراجع قيمة العملة الإيرانية، بعدما تجاوز سعر الدولار خلال آب مستوى مليوني ريال، بينما بلغ التضخم السنوي 66% في تموز.
ورغم تأكيد محافظ البنك المركزي امتلاك البلاد احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، فإن ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية يظلان التحدي الأكبر أمام أصحاب المعاشات وأصحاب الدخول الثابتة.
أزمة قديمة تتفاقم
التحذيرات من أزمة صناديق التقاعد الإيرانية ليست جديدة، إذ سبق لمسؤول في وزارة العمل والرفاه أن حذر عام 2022 من أن بيع إيران ملايين براميل النفط يومياً، حتى في حال غياب العقوبات، لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة المالية التي تواجه صناديق التقاعد.
وترتبط الأزمة بمجموعة من العوامل، أبرزها تراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، والعجز الحكومي، إلى جانب معدلات التضخم المرتفعة.
كما حذرت تقديرات اقتصادية من أن التداعيات الاقتصادية للحرب قد تدفع ملايين الإيرانيين الإضافيين إلى ما دون خط الفقر، ما يزيد الضغط على الحكومة وعلى منظومة الحماية الاجتماعية.
من المعيشة إلى السياسة
لا تقتصر تداعيات أزمة التقاعد على الجانب الاقتصادي، إذ أصبح المتقاعدون من أكثر الفئات استمراراً في الاحتجاج، مع تنظيم تحركات متكررة في عدد من المدن.
وفي 23 آب، تظاهر متقاعدو الضمان الاجتماعي والفولاذ في عدة مدن، مطالبين بزيادة المعاشات وضبط الأسعار والإيجارات وتحسين الخدمات الصحية.
لكن بعض التحركات تجاوزت المطالب المعيشية، لتشمل الحق في التظاهر والإضراب وتشكيل تنظيمات عمالية مستقلة، إلى جانب المطالبة بإنهاء اعتقال المحتجين ومواجهة الفساد والتمييز.
وفي احتجاجات أخرى، ظهرت مطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين ووقف تنفيذ أحكام الإعدام.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار تراجع قيمة المعاشات قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين دخول المتقاعدين وتكاليف المعيشة، بينما قد لا تكون إجراءات مثل رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات كافية لمعالجة جذور الأزمة.
ويرتبط الحل، وفق تقديرات اقتصادية، بإصلاح إدارة صناديق التقاعد واستثماراتها، والحد من التضخم، وتحسين قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو، إلى جانب معالجة الاختلالات المالية المتراكمة.
وبذلك، تتحول أزمة التقاعد في إيران تدريجياً من مشكلة مالية مرتبطة بصرف المعاشات إلى تحدٍ اجتماعي وسياسي أوسع، في ظل تراجع القدرة الشرائية لملايين الإيرانيين وصعوبة متزايدة تواجهها صناديق التقاعد في الوفاء بالتزاماتها.




